علي بن أحمد المهائمي
459
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
مقامه ؛ وذلك لأن ( القيام من مقام الإنسان ليس كذلك ) أي : ليست هذه الحركة كحركة البصر ، إذ ( ليس له هذه السرعة ) ؛ لافتقاده إلى زمانين فصاعدا ؛ لأن زمان ابتدائه غير زمان حصوله على الكمال ، فإذا كان فعل آصف يفتقر إلى زمان واحد ، وقول الجن إلى زمانين ، ( فكان آصف بن برخيا أتم في العمل من قول الجن ) ؛ لأنه حصل في أقصر مدة عن كمال علمه بأسرار التصريف ، ولو حصله الجن لم يتأت منه في تلك المدة ؛ لأن علمه كان بخواص الأشياء ولا بدّ من استجماعها ، ( فكان عين قول آصف بن برخيا ) : أنا آتيك به ( عين الفعل ) إتيان عرش بلقيس ، إذ حصل بمجرد قصده من غير تحريك ( في الزمن الواحد ) ، كما يحصل المعلول مع العلة في زمانها ، وإن كان لها التقدم في الرتبة ، فصدق في إتيانه قبل ارتداد طرف سليمان عليه السّلام ( عرش بلقيس ) ، لا في مكانه الأول ولا منتقلا منه ، بل ( مستقرّا عنده ) ، أي : في مكان قريب . وإنما قال تعالى في كتابه : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ [ النمل : 40 ] ، ولم يكتف بقوله : فَلَمَّا رَآهُ [ النمل : 40 ] ، ولا بقوله : مُسْتَقِرًّا [ النمل : 40 ] ، ؛ ( لئلا يتخيل ) ( أنه أدركه ) ، وهو في مكانه الأول ( من غير انتقال ) له أصلا فضلا عن الانتقال إلى مكان سليمان عليه السّلام ، كيف ( ولم يكن عندنا باتحاد الزمان ) أي : مع اتحاده ( انتقال ) الجسم من مكان إلى آخر ؛ لافتقاره إلى تعدد الأزمنة ، وإن أمكن ذلك في انتقال البصر ورجوعه ، فكان يتخيل أنه رآه في مكانه الأول ، وآصف إنما أتى به في منظر سليمان عليه السّلام لا في مكانه . ولما استقر عنده من غير انتقال علم أنه ( إنما كان ) لعرش بلقيس إعدام من مكانه الأول ، وإيجاد في مكان سليمان ( من حيث لا يشعر ) أحد بذلك ، فتوهموا الانتقال مع اتحاد الزمان ، وهو محال ( إلا من عرفه ) أي : وقوع الإعدام والإيجاد في جميع أجزاء العالم في كل نفس نفس ، ( وهو ) ما دلّ عليه ( قوله تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] في كل جزء من أجزاء العالم ؛ لأن الأصل في الممكنات العدم من ذواتها ، والوجود من إشراق نور ربها عليها ، فهي تعود في كل نفس إلى أصلها والحق يمدها بالوجود في ذلك النفس بعينه ، وكيف لا يكونون في هذا اللبس ، وهم يعتقدون أنه لا يجمع وجود شيء وعدمه في زمان واحد ، وإن المعدوم غير مرئي مع أنه ( لا يمضي عليهم وقت لا يرون فيه ما هم راءون له ) ، فيتوهموا أنه لو حصل الشيء مما يرونه مستمرا الإعدام والإيجاد ، لكان غير مرئي وقت عدمه ومرئيّا وقت وجوده ، ولم يكن يرى مستمرا ، ولا يعلمون أنه يمكن اجتماع الوجود والعدم في الشيء الواحد باعتبارين اعتبار نفسه واعتبار غيره ، وإن المعدوم إنما لا يرى لو لم يكن له وجه من الوجود الخارجي أصلا ، وألا يرى من جهة وجوده . ( وإن كان هذا المذكور ) من وقوع الإعدام والإيجاد لأجزاء العالم في كل وقت ،